
كشفت دراسة علمية حديثة عن تطوير ثلاثة نماذج للذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل صور الموجات فوق الصوتية للثدي، بهدف تحديد الأورام ورسم حدودها داخل الصور، وتصنيفها إلى آفات حميدة أو خبيثة، في خطوة قد تسهم في تطوير أدوات مساعدة للأطباء عند تقييم الفحوص الطبية.
وحققت إحدى النماذج دقة تصنيف بلغت 82.94%، بينما أظهر نموذج آخر أداءً متميزًا في تحديد مناطق الآفات والتعرف على الحالات الخبيثة، بما يعكس إمكانات تقنيات التعلم العميق في تحسين تحليل صور السونار.
ونُشرت الدراسة في دورية «ساينتيفيك ريبورتس»، وأجراها الباحثان برايان صامويل جيمس وإن. كريشنامورثي، من معهد فيلور للتكنولوجيا بالهند، وركزت على توظيف تقنيات التعلم العميق لرفع كفاءة تحليل صور الموجات فوق الصوتية للثدي.
وتناولت الدراسة تحديات تواجه تحليل هذه الصور، من بينها اختلاف أشكال الأورام، وضعف التباين بين الأنسجة، ووجود تشويش قد يجعل تحديد حدود الآفات والتمييز بين طبيعتها الحميدة والخبيثة مهمة معقدة.
واعتمد الباحثون على ثلاثة نماذج تجمع بين تقنيات مختلفة من التعلم العميق، واختبروها باستخدام قاعدة بيانات لصور آفات الثدي بالموجات فوق الصوتية، بهدف تقييم قدرتها على تنفيذ مهمتين أساسيتين، هما تحديد حدود الآفات داخل الصور وتصنيفها إلى حميدة أو خبيثة.
وتتمثل المهمة الأولى في تحديد المنطقة التي يشغلها الورم وتمييزها عن الأنسجة المحيطة، بينما تعتمد المهمة الثانية على تحليل الأنماط والخصائص المستخلصة من الصور لتحديد الفئة التي تنتمي إليها الآفة.
ويساعد الجمع بين المهمتين في تقديم تقييم أكثر شمولًا لأداء النماذج، إذ لا يقتصر التحليل على تصنيف الصورة فحسب، بل يشمل أيضًا تحديد موقع المنطقة المشتبه بها ومدى دقة رسم حدودها.
وحقق النموذج الأول، الذي اعتمد على بنية تجمع بين تقنيتي «دبل هيد يو نت» و«ريس نت 34»، أعلى دقة تصنيف بين النماذج الثلاثة، بلغت 82.94%، كما سجل 87.70% وفق مقياس المساحة تحت منحنى خصائص التشغيل، الذي يقيس قدرة النموذج على التمييز بين الفئات عند استخدام عتبات تصنيف مختلفة.
أما النموذج الثاني، فجمع بين تقنية «سوين ترانسفورمر» ومكوّن «يو نت» لتحديد المناطق داخل الصور، وحقق دقة تصنيف بلغت 79.76%، فيما وصلت نتيجته وفق مقياس المساحة تحت المنحنى إلى 87.54%.
في المقابل، اعتمد النموذج الثالث على بنية تجمع بين المحولات وتقنية «يو نت»، مع الاستعانة ببيانات سريرية إضافية إلى جانب الصور، باستخدام آلية تتيح تكييف معالجة المعلومات البصرية وفق البيانات المتاحة.
وسجل النموذج الثالث أعلى معدل لاسترجاع الحالات الخبيثة، بلغ 81.63%، كما حقق أفضل أداء في تحديد حدود الآفات، إذ بلغت نتيجة مقياس «دايس» 0.901، ومقياس تقاطع المناطق على اتحادها 0.825.
ويُستخدم هذان المقياسان لتقييم مدى تطابق المناطق التي يحددها النموذج مع المناطق المرجعية، وكلما اقتربت النتيجة من الواحد الصحيح، دل ذلك على ارتفاع مستوى التطابق.
وأوضحت نتائج الدراسة أهمية التمييز بين دقة التصنيف ومعدل استرجاع الحالات الخبيثة، إذ تعكس دقة التصنيف نسبة النتائج الصحيحة إجمالًا ضمن بيانات الاختبار، بينما يوضح معدل الاسترجاع نسبة الحالات الخبيثة التي نجح النموذج في التعرف عليها من إجمالي الحالات الخبيثة الموجودة في تلك البيانات.
ولا تعني الدقة البالغة 82.94% أن النموذج يستطيع اكتشاف النسبة نفسها من حالات سرطان الثدي لدى جميع النساء، أو أن نتائجه ستكون بالدقة ذاتها عند استخدامه في المستشفيات، إذ ترتبط النتائج بقاعدة البيانات المستخدمة وطريقة الاختبار المتبعة في الدراسة.
كذلك، فإن تسجيل 87.70% وفق مقياس المساحة تحت المنحنى لا يعني أن التشخيص صحيح بهذه النسبة، بل يعكس قدرة النموذج على التمييز بين الفئات عند تقييمه باستخدام عتبات تصنيف مختلفة.
واستخدم الباحثون أسلوب التحقق المتبادل المكوّن من خمس مجموعات، مع الفصل بين بيانات المرضى في مراحل التدريب والاختبار، إلى جانب إجراءات فنية لتقييم النماذج، بهدف الحد من احتمال تأثر النتائج بتداخل بيانات المرضى بين المجموعات.
وأظهر التحليل الإحصائي أن معظم الفروق بين النماذج في دقة التصنيف لم تكن ذات دلالة إحصائية، وهو ما يعني أن النتائج لا تثبت تفوق نموذج واحد على النماذج الأخرى في جميع المهام.
ورغم النتائج الواعدة، لا تثبت الدراسة أن النماذج المطورة أصبحت معتمدة للاستخدام السريري، أو أنها قادرة على اتخاذ قرارات تشخيصية مستقلة، كما لا تقدم دليلًا على أن استخدامها يحسن نتائج العلاج أو يقلل معدلات الوفاة.
ويتطلب الانتقال إلى التطبيق الطبي اختبار هذه النماذج على بيانات مستقلة ومتنوعة من مستشفيات ومجموعات مرضى مختلفة، وتقييم أدائها في الممارسة الفعلية، ومقارنة نتائجها بتقييم الأطباء ووسائل التشخيص المرجعية المعتمدة.
كما يستلزم الأمر التأكد من قدرة النماذج على الحد من تفويت الحالات الخبيثة، وتجنب زيادة النتائج الإيجابية الكاذبة التي قد تؤدي إلى فحوص إضافية غير ضرورية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يوفر أدوات مساعدة واعدة لتحليل صور الموجات فوق الصوتية للثدي، لكنه لا يحل محل التقييم الطبي المتكامل، ولا يمكن الاعتماد على نتائجه وحدها لتحديد طبيعة الكتل أو اتخاذ القرارات العلاجية.




