التشخيص من خلف شباك الصيدلية يثير تساؤلات حول حدود المهنة
تبدأ الحكاية غالبًا بسؤال يبدو عاديًا: «شو مالك؟ شو بتشتكي؟»، يطرحه الصيدلي على المريض الذي يدخل إلى الصيدلية بحثًا عن حل لألمه. لكن هذا السؤال يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات عندما يتجاوز دوره الاستفسار عن الأعراض وشرح الأدوية إلى تشخيص المرض وتحديد العلاج والجرعات، بل وإقناع المريض أحيانًا بعدم مراجعة الطبيب.
وتثير هذه الممارسات تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الدور الصيدلاني المشروع والتدخل في اختصاص الطبيب، خاصة مع تكرار روايات مرضى توجهوا إلى الصيدليات بسبب أعراض مختلفة، مثل الصداع وآلام المعدة والتهاب الحلق وارتفاع الحرارة، ليحصلوا على أدوية بناءً على تقييم الأعراض دون الخضوع لفحص طبي.
ويروي أحد المرضى، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أنه توجه إلى إحدى الصيدليات بسبب شعوره بالألم، لكن بدلًا من توجيهه إلى الطبيب، سأله الصيدلي عن الأعراض، ثم رجّح إصابته بالتهاب وصرف له دواءً. فيما ذكر مريض آخر أنه طلب دواءً سبق له استخدامه، فاقترح الصيدلي بديلًا وأكد أنه الأنسب لحالته.
ورغم أن هذه الشهادات لا تعني أن جميع الصيادلة يمارسون التشخيص الطبي، فإنها تطرح تساؤلات مهمة بشأن قدرة المريض على التمييز بين المشورة الدوائية والتشخيص الطبي، والحد الذي تتحول عنده النصيحة إلى ممارسة تتجاوز الاختصاص المهني.
وفي هذا السياق، حذرت طبيبة من ممارسات قالت إنها تحدث أحيانًا بعد خروج المريض من العيادة، عندما يتدخل بعض الصيادلة في شرح الوصفة بطريقة قد توحي للمريض بأنهم أعادوا تقييم حالته، أو يشككون في قرار الطبيب العلاجي.
وأوضحت أن مسؤولية الطبيب تبدأ من تقييم الحالة وإجراء الفحص السريري والاطلاع على التاريخ المرضي، وصولًا إلى تشخيص المرض ووضع الخطة العلاجية المناسبة. وأثارت تساؤلات بشأن مدى مهنية الاعتراض على وصفة الطبيب أمام المريض، دون إجراء فحص أو الاطلاع على المعلومات الطبية اللازمة لتقييم الحالة بصورة متكاملة.
وتزداد أهمية القضية في ظل توجه بعض المرضى إلى الصيدليات بحثًا عن حلول سريعة، سواء لتوفير الوقت أو تجنب تكاليف زيارة الطبيب، وهو ما قد يجعلهم أكثر عرضة للاعتماد على تقديرات غير مكتملة لحالتهم الصحية.
وعلى المستوى القانوني، تحدد التشريعات الأردنية الأطر المنظمة لممارسة المهن الصحية، ويعرّف قانون الدواء والصيدلة الصيدلي باعتباره صاحب مؤهل صيدلاني ومسجلًا لدى النقابة ومرخصًا لمزاولة المهنة. كما تثير أحكام المادة التاسعة من قانون الصحة العامة تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الممارسة الصيدلانية وممارسة الأعمال التي قد تدخل ضمن اختصاصات طبية تتطلب ترخيصًا مختلفًا.
وتبرز هنا الحاجة إلى توضيح رسمي بشأن الحالات التي يتجاوز فيها تقييم الأعراض حدود المشورة الدوائية، ومدى قانونية تشخيص الأمراض ووصف العلاجات داخل الصيدليات، فضلًا عن تحديد المسؤولية المهنية والقانونية عند وقوع خطأ في التشخيص أو صرف دواء غير مناسب.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال دور الصيدلي في صرف الأدوية فقط، فهو أحد العناصر الأساسية في منظومة الرعاية الصحية، وتتمثل مسؤوليته في ضمان الاستخدام الآمن للدواء، والتحقق من الجرعات، والتنبيه إلى التفاعلات الدوائية والحساسية والآثار الجانبية، وتوضيح طريقة الاستخدام الصحيحة للمريض.
وتكمن المشكلة عندما تتجاوز المشورة هذه الحدود، فتتحول من تنبيه المريض إلى مخاطر دوائية محتملة إلى إصدار أحكام على التشخيص أو استبدال العلاج الموصوف بعلاج آخر دون التنسيق مع الطبيب المعالج. ففي مثل هذه الحالات، قد يتعرض المريض للارتباك بشأن العلاج الصحيح، أو يتأخر في الحصول على الرعاية اللازمة، أو يتوقف عن تناول دواء يحتاج إليه.
ويشير صيادلة إلى أنهم يواجهون أحيانًا مرضى يطلبون علاجًا سريعًا ويرفضون زيارة الطبيب بسبب ضيق الوقت أو التكلفة، مؤكدين أهمية تقديم المشورة الدوائية ضمن حدود الاختصاص. كما يرون أن اكتشاف خطأ محتمل في وصفة طبية يستدعي التواصل مع الطبيب المعالج ومناقشة الأمر مهنيًا، بدلًا من التشكيك في قراره أمام المريض.
وبين الطبيب والصيدلي، يبقى المريض الطرف الأكثر تأثرًا بأي خلاف مهني لا تحكمه آليات واضحة للتواصل والتنسيق. فعندما يتلقى المريض توجيهات متعارضة بشأن الدواء، قد يجد نفسه عاجزًا عن تحديد القرار الصحيح، بما يهدد سلامة العلاج ويؤثر في ثقته بمنظومة الرعاية الصحية.
وتطرح هذه القضية تساؤلات أمام وزارة الصحة والمؤسسة العامة للغذاء والدواء ونقابتي الصيادلة والأطباء، بشأن مدى كفاية الرقابة على الممارسات داخل الصيدليات، ووضوح الإجراءات المتبعة عند الاشتباه في ممارسة التشخيص دون ترخيص، وآليات تقديم الشكاوى ومحاسبة المخالفين.
كما تبرز الحاجة إلى تحديد ضوابط واضحة لصرف الأدوية دون وصفة طبية، وتوضيح الحالات التي يجوز فيها للصيدلي تقديم المشورة، والإجراءات المهنية الواجب اتباعها عند اكتشاف خطأ محتمل في وصفة الطبيب، بما يضمن حماية المريض ويحافظ على التكامل بين التخصصات الصحية.
ولا تستهدف هذه القضية التقليل من دور الصيدلي أو خلق مواجهة بينه وبين الطبيب، بل تسعى إلى حماية المريض وصون مكانة المهن الصحية، من خلال ترسيخ مبدأ التكامل بين الطبيب الذي يتولى التشخيص ووضع الخطة العلاجية، والصيدلي الذي يضمن الاستخدام الآمن والفعال للدواء.
وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل تقتصر الممارسات داخل الصيدليات على تقديم النصائح الدوائية، أم أن بعض الحالات تشهد تجاوزًا إلى التشخيص ووصف العلاج دون فحص طبي؟ الإجابة تتطلب توضيحًا قانونيًا ومهنيًا ورقابة فعالة تضمن حصول المريض على العلاج المناسب، وتحفظ لكل تخصص دوره ومسؤولياته.
