أثار استبعاد شعر الفصحى من فروع جوائز الدولة التشجيعية موجة من الجدل الثقافي، وسط اعتراضات على آلية توزيع الجوائز واعتماد نظام التناوب بين بعض الفروع، بما يؤدي إلى غيابها في عام وعودتها في العام التالي، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن معايير الاختيار وأسباب تطبيق هذه السياسة.
وعلى الرغم من إصدار المجلس الأعلى للثقافة بيانًا توضيحيًا بشأن آلية تحديد فروع الجوائز، فإن البيان لم ينهِ حالة الجدل، بل أثار مزيدًا من التساؤلات حول استبعاد شعر الفصحى، إلى جانب الانتقادات الموجهة إلى تقسيم بعض الأجناس الأدبية إلى فروع تصنيفية، والإصرار على تطبيق نظام التناوب في منح الجوائز.
وتأتي هذه الاعتراضات في ظل غياب أي مؤشرات سابقة واضحة على تطبيق نظام التناوب بصورة منتظمة، إذ استمرت جائزة شعر الفصحى في منحها خلال الأعوام الماضية، حيث فاز الشاعر حسن عامر بالجائزة عام 2022 عن ديوانه «كالذي جرب الطريق»، وحصل الشاعر أحمد حافظ عبد العظيم عبد العليم عليها عام 2023 عن ديوان «قلبي ثلاجة موت».
كما فاز الشاعر محمد عرب صالح بالجائزة عام 2024 عن ديوانه «دائرة حمراء حول رأسي»، فيما نالها الشاعر محمد رفاعي عام 2025 عن ديوانه «بكاء عملة معدنية»، وهو ما يعزز التساؤلات بشأن توقيت اتخاذ قرار التناوب، ومدى الحاجة إليه في ظل استمرار منح الجائزة سنويًا في السابق.
ويرى منتقدو القرار أن اعتماد التناوب قد يكون مرتبطًا بمحاولة توفير المخصصات المالية للجوائز، بدلًا من إعادة النظر في قيمتها وزيادتها بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة، خاصة أن القيمة المالية لجوائز الدولة ظلت دون تغيير لسنوات طويلة، رغم المطالب المتكررة بزيادتها لتواكب مكانتها الثقافية وتتناسب مع قيمة الجوائز العربية الأخرى.
وتتجاوز الاعتراضات مسألة استبعاد شعر الفصحى إلى ما يعتبره منتقدون مساسًا بمكانة أحد أهم مكونات الهوية الثقافية العربية، مؤكدين أن الشعر باللغة العربية الفصحى لا يقل أهمية أو استحقاقًا عن الرواية والقصة القصيرة وشعر العامية، باعتباره ركنًا أساسيًا من أركان الثقافة العربية، ولغة تجمع أبناء الأمة العربية ضمن إطار معرفي وثقافي مشترك.
وفي بيانه التوضيحي، أكد المجلس الأعلى للثقافة أن تحديد فروع جوائز الدولة التشجيعية يتم وفقًا للقانون واللائحة المنظمة، من خلال وضع خطة مسبقة تمتد لثلاث سنوات، تتولى إعدادها لجنة عليا تضم مقرري اللجان النوعية بالمجلس، إلى جانب الهيئة العليا، بما يضمن تنوع التخصصات وتحقيق التوازن بينها وفق قواعد مؤسسية محددة.
وأوضح المجلس أن فروع الجوائز للأعوام 2025 و2026 و2027 جرى تحديدها عام 2024، بناءً على مقترح اللجنة المختصة، الذي عُرض على الهيئة العليا للمجلس لمناقشته وإجراء التعديلات اللازمة قبل اعتماده نهائيًا.
وأشار البيان إلى أن التناوب بين فروع الجوائز يفسر غياب شعر الفصحى عن فروع جائزة عام 2026، بعدما كان مدرجًا ضمن الفروع المعتمدة في الأعوام السابقة، في حين تضمنت فروع عام 2027 جائزتي ديوان شعر العامية وديوان شعر الأطفال.
غير أن هذا التوضيح أثار تساؤلات إضافية بشأن عدم الإعلان عن خطة التناوب عند إعدادها عام 2024، فضلًا عن اعتبار عام 2025 نقطة تحول في تطبيق هذه السياسة، بعدما شهد إلغاء جائزة شعر العامية مع الإبقاء على جائزة شعر الفصحى، وهو ما دفع منتقدين إلى التشكيك في وجود نظام تناوب مستقر ومعلن قبل اتخاذ القرارات الأخيرة.
وامتدت الانتقادات كذلك إلى طبيعة التصنيفات المعتمدة في بعض فروع الجوائز، خاصة في مجال الرواية، حيث جرى تقسيمها إلى عناوين متعددة، من بينها الرواية المعاصرة والتاريخية والرواية المنشورة عبر وسائط الاتصال الحديثة، رغم أن هذه الأنواع تظل أشكالًا إبداعية يمكن تقييمها وفق معايير فنية مشتركة، دون الحاجة بالضرورة إلى الفصل بينها في فروع مستقلة.
كما طالت المطالب بإعادة النظر فروع العلوم القانونية والاقتصادية، التي تتضمن موضوعات متعددة، من بينها تمكين التعليم الفني والمهني والحرفي وتوطينه، والهجرة غير النظامية، وتنفيذ أحكام التحكيم التجاري والدولي في المنازعات، وتسوية منازعات الحدود الدولية، والاتجار بالبشر، وتأثير التنوع التعليمي ومستوياته على المجتمع المصري.
وتشمل هذه الموضوعات أيضًا حقوق اللاجئين في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وقضايا التراث بين الأصالة والتجديد، ووضع المرأة وحقوقها، وهي مجالات يراها منتقدون بحاجة إلى مراجعة دورية لعناوينها وآليات اختيارها، بما يضمن تحقيق أهداف الجائزة في دعم البحث العلمي والإبداع الثقافي.
وفي ظل استمرار الجدل، تتزايد المطالب بمراجعة قرار استبعاد شعر الفصحى، وإعادة تقييم سياسة التناوب والتصنيفات المعتمدة في فروع جوائز الدولة التشجيعية، مع ضرورة تعزيز الشفافية في الإعلان عن القرارات المنظمة لها، بما يحافظ على مكانة الجوائز ودورها في دعم المبدعين والباحثين، ويضمن عدم الإضرار بفروع ثقافية وأدبية تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية والعربية.


